علي بن أحمد المهائمي
545
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
قيل : لو كان للمعدوم لاجتمع الموجود والعدم ، ( فبحكم المعدوم ) كان يقابل أنه للموجود بذلك الإيجاد ، وتحصيل الحاصل إنما يكون لو كان بإيجاد آخر ، ولا شكّ أن الموجود بهذا الإيجاد معدوم عنده أو في حكمه ، ( وهو ) أي : القول بكون الأثر للموجود بحكم المعدوم ( علم غريب ) ، فإن المتكلمين ما قالوا إلا بالوجود المحض أو العدم المحض ، وما قالوا بالجمع بينهما إن كان في المتكلمين قائل بذلك ؛ فهي ( مسألة نادرة ) لا توجد في عامة الكتب ، ( ولا يعلم تحقيقها إلا أصحاب الأوهام ) ، إذ أرباب العقول يرون أنه جمع بين النقيضين ، ( فذلك ) العلم إنما يحصل ( بالذوق عندهم ) لا بتجاوزهم إلى غيرهم ، إذ تعارض العقل الوهم فيرده في حقهم ، ولا يمكنه ردّ الحاصل بالذوق في حق أرباب الذوق منهم ، لكن يحصل لصاحب الوهم إذا لم يحصل له ذوق نوع قرب من المسألة . ( وأما من لا يؤثر الوهم فيه ، فهو بعيد عن هذه المسألة ) ؛ لتجرد العقل في حقه ، وهو قادح ولا معارض في حقه ، وإن كانت رحمة اللّه مؤثرة في إيجاد موجود بحكم المعدوم ، ( فرحمة اللّه في الأكوان ) التي هي الموجودات المحدثة ( سارية ) سريان الكلي الذاتي في جريانه ، ( وفي الذوات وفي الأعيان ) التي هي المعدومات الثابتة الظاهرة عند ظهور الوجود بها ، وفيها ( جارية ) جريان الغرض العام على مغروضاته ، وعند ذلك فلا تعرف أن محلها الأصلي الأكوان والأعيان أو بالشهود ، وإليه الإشارة بقوله : ( مكانة الرحمة المثلى ) صفة المكانة ( إذا علمت من الشهود ) علم أنها ( مع الأفكار عالية ) ، فإن الأفكار ترى تعلقها بالأعيان فتتميز في أنها حين تعلقها ، هل هي موجودة أو معدومة ؟ وفي الأول تحصيل الحاصل ، وفي الثاني اجتماع النقيضين ، وصاحب الشهود يقول : إن تعلقها الأول بالأكوان المتعلقة بالأعيان ، فهي تتعلق بالموجود بحكم المعدوم ؛ فافهم ، فإنه مزلة للقدم . وإذا كانت الرحمة جارية على الأعيان التي كان لها الوجود بالقوة ، ولم يخرج إلى الفعل ؛ ( فكل من ذكرته الرحمة ، فقد سعد ) بخروج ما له بالقوة إلى الفعل ، فيحصل له كماله ( وما ثمة ) ، أي : في الواقع ( إلا من ذكرته الرحمة ) إما بإيجاده في الخارج أو في الذهن ، فلا هدم مطلقا إلا متوهما ذلك إن ( ذكر الرحمة الأشياء ) ضد عدمها ( عين إيجادها إياها ) إما في الخارج أو في الذهن ، إذ هو كمال لها حينئذ ، وإن كان كمالها بعد ذلك غير ذلك ، وهو ما يحصل غرضا أو يلاءم طبعها ، ( فكل موجود مرحوم ) ابتداء ، وإن كان مبتلى معذبا انتهاء كماله ، أشار إليه بقوله : ( ولا تحجب يا ولي ) ، وإن احتجب غيرك ( عن إدراك ما قلناه ) من أن كل موجود مرحوم ( بما تراه بالحس من أصحاب البلاء ) في الدنيا ، ( وما تؤمن به من آلام الآخرة التي لا تفتر عمن قامت به ) ، حتى يمكن أن يقال : إن ما يحصل بعدها من الراحة العظيمة غرض عنها ؛ فهي رحمة في حقّهم ، فإن العذاب ، وإن انقطع عنهم مدة يسيرة يعود عليهم بسرعة بحيث لا يعد ما تخلل فترة ، فإذا كذب